فخر الدين الرازي
21
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أن يقرأ على مشركي مكة ، أول سورة براءة وينبذ إليهم عهدهم وأن اللّه برئ من المشركين ورسوله ، قال أناس يا أهل مكة ستعلمون ما تلقونه من الشدة لانقطاع السبل وفقد الحمولات ، فنزلت هذه الآية لدفع هذه الشبهة ، وأجاب اللّه تعالى عنها بقوله : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً أي فقرا وحاجة فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فهذا وجه النظم وهو حسن موافق . المسألة الثانية : قال الأكثرون لفظ المشركين يتناول عبدة الأوثان . وقال قوم : بل يتناول جميع الكفار وقد سبقت هذه المسألة ، وصححنا هذا القول بالدلائل الكثيرة ، والذي يفيد هاهنا التمسك بقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ * [ النساء : 116 ] ومعلوم أنه باطل . المسألة الثالثة : قال صاحب « الكشاف » : النجس مصدر نجس نجسا وقذر قذرا ، ومعناه ذو نجس . وقال الليث : النجس الشيء القذر من الناس ومن كل شيء ، ورجل نجس ، وقوم أنجاس ، ولغة أخرى رجل نجس وقوم نجس وفلان نجس ورجل نجس وامرأة نجس . واختلفوا في تفسير كون المشرك نجساً نقل صاحب « الكشاف » عن ابن عباس أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير ، وعن الحسن من صافح مشركا توضأ ، وهذا هو قول الهادي من أئمة الزيدية ، وأما الفقهاء فقد اتفقوا على طهارة أبدانهم . واعلم أن ظاهر القرآن يدل على كونهم أنجاسا فلا يرجع عنه إلا بدليل منفصل ، ولا يمكن ادعاء الإجماع فيه لما بينا أن الاختلاف فيه حاصل . واحتج القاضي على طهارتهم بما روي أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم شرب من أوانيهم ، وأيضا لو كان جسمه نجسا لم يبدل ذلك بسبب الإسلام . والقائلون بالقول الأول أجابوا عنه : بأن القرآن أقوى من خبر الواحد ، وأيضا فبتقدير صحة الخبر وجب أن يعتقد أن حل الشرب من أوانيهم كان متقدما على نزول هذه الآية وبيانه من وجهين : الأول : أن هذه السورة من آخر ما نزل من القرآن وأيضا كانت المخالطة مع الكفار جائزة فحرمها اللّه تعالى ، وكانت المعاهدات معهم حاصلة فأزالها اللّه ، فلا يبعد أن يقال أيضا الشرب من أوانيهم كان جائزا فحرمه اللّه تعالى . الثاني : أن الأصل حل الشرب من أي إناء كان ، فلو قلنا : إنه حرم بحكم الآية ثم حل بحكم الخبر فقد حصل نسخان . أما إذا قلنا : إنه كان حلالا بحكم الأصل ، والرسول شرب من آنيتهم بحكم الأصل ، ثم جاء التحريم بحكم هذه الآية لم يحصل النسخ إلا مرة واحدة ، فوجب أن يكون هذا أولى . أما قول القاضي : لو كان الكافر نجس الجسم لما تبدلت النجاسة بالطهارة بسبب الإسلام فجوابه أنه قياس في معارضة النص الصريح ، وأيضا أن أصحاب هذا المذهب / يقولون إن الكافر إذا أسلم وجب عليه الاغتسال إزالة للنجاسة الحاصلة بحكم الكفر ، فهذا تقرير هذا القول ، وأما جمهور الفقهاء فإنهم حكموا بكون الكافر طاهرا في جسمه ، ثم اختلفوا في تأويل هذه الآية على وجوه : الأول : قال ابن عباس وقتادة : معناه أنهم لا يغتسلون من الجنابة ولا يتوضئون من الحدث . الثاني : المراد أنهم بمنزلة الشيء النجس في وجوب النفرة عنه ، الثالث : أن كفرهم الذي هو صفة لهم بمنزلة النجاسة الملتصقة بالشيء . واعلم أن كل هذه الوجوه عدول عن الظاهر بغير دليل . المسألة الرابعة : قال أبو حنيفة وأصحابه رضي اللّه عنهم : أعضاء المحدث نجسة نجاسة حكمية وبنوا عليه أن الماء المستعمل في الوضوء والجنابة نجس . ثم روى أبو يوسف رحمه اللّه تعالى أنه نجس نجاسة خفيفة ، وروى الحسن بن زياد : أنه نجس نجاسة غليظة ، وروى محمد بن الحسن أن ذلك الماء طاهر .